الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
376
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المغيرة : مه ، وما دلّك على ذلك ، قال : كنّا نسميه في صباه الصادق الأمين فلما تمّ عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن ! قال : فما يمنعك أن تؤمن به قال : تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة ، واللات والعزّى إن اتبعته أبدا فنزلت هذه الآية . وإذا صح هذا فإن مطابقة القصة لقوله تعالى : وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ظاهرة . وعن مقاتل أيضا : أنها نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين كان يعبد من الأصنام ما تهواه نفسه . وهذه الآية أصل في التحذير من أن يكون الهوى الباعث للمؤمنين على أعمالهم ويتركوا اتباع أدلة الحق ، فإذا كان الحق محبوبا لأحد فذلك من التخلق بمحبة الحق تبعا للدليل مثل ما يهوى المؤمن الصلاة والجماعة وقيام رمضان وتلاوة القرآن وفي الحديث « أرحنا بها يا بلال » يعني الإقامة للصلاة . وعن عبد اللّه بن عمرو بن العاصي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » وعن أبي الدرداء « إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء وإن كان عمله تبعا لعلمه فيومه يوم صالح » . وأما اتباع الأمر المحبوب لإرضاء النفس دون نظر في صلاحه أو فساده فذلك سبب الضلال وسوء السيرة . قال عمرو بن العاصي : إذا المرء لم يترك طعاما يحبه * ولم ينه قلبا غاويا حيث يمّما فيوشك أن تلقى له الدهر سبّة * إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما ومن الكلمات المأثورة « ثلاث من المهلكات : شحّ مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه » ويروى حديثا ضعيف السند . وقدم السمع على القلب هنا بخلاف آية سورة البقرة خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ البقرة : 7 ] لأن المخبر عنهم هنا لما أخبر عنهم بأنهم اتخذوا إلههم هواهم ، فقد تقرر أنهم عقدوا قلوبهم على الهوى فكان ذلك العقد صارفا السمع عن تلقي الآيات فقدّم لإفادة أنهم كالمختوم على سمعهم ، ثم عطف عليه وَقَلْبِهِ تكميلا وتذكيرا بذلك العقد الصارف للسمع ثم ذكر ما عَلى بَصَرِهِ من شبه الغشاوة لأن ما عقد عليه قلبه بصره عن النظر في أدلة الكائنات . وأما آية سورة البقرة فإن المتحدث عنهم هم هؤلاء أنفسهم ولكن الحديث عنهم ابتدئ بتساوي الإنذار وعدمه في جانبهم بقوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * [ البقرة : 6 ] فلما أريد تفصيله قدم الختم على قلوبهم لأنه الأصل كما كان اتخاذ